ابن عبد البر
234
الدرر في اختصار المغازي والسير
وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما واستؤمن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - للأخرى ، فأمّنها ، فعاشت مدة ثم ماتت في حياة النبيّ عليه السلام . وأما سارة فاستؤمن لها أيضا ، وأمّنها عليه السلام ، وعاشت إلى أن أوطأها رجل فرسا بالأبطح في زمان عمر فماتت . واستتر / رجلان من بنى مخزوم عند أم هانئ بنت أبي طالب فأجارتهما وأمّنتهما ، فأمضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أمانها ، وقال : قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانئ وأمّنّا من أمّنت ، وكان علىّ أراد قتلهما ، قيل : إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية أخو أم سلمة ، وأسلما وكانا من خيار المسلمين ، وقيل : إن أحدهما جعدة « 1 » بن هبيرة ، والأول أصح . وطاف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالكعبة ، ودعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة بعد أن ما نعته أمه ذلك ثم أسلمته . فدخل النبيّ الكعبة ومعه أسامة بن زيد ، وبلال بن رباح ، وعثمان بن طلحة ، ولا أحد معه غيرهم . فأغلق الباب عليه ، وصلّى داخلها ركعتين . ثم خرج وخرجوا ، وردّ المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، وأبقى له حجابة « 2 » البيت وقال : خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة ، فهي إلى الآن في ولد شيبة بن عثمان بن طلحة . وأمر - عليه السلام - بكسر الصّور التي داخل الكعبة وحولها وكسر الأصنام « 3 » التي حول الكعبة وبمكة كلها ، وكانت الأصنام التي في الكعبة مشدودة بالرصاص وكان يشير إليها بقضيب في يده ، فكلما أشار إلى واحد منها خرّ لوجهه ، وكان يقول : ( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) . وأذّن له بلال على ظهر الكعبة . وخطب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - / ثاني يوم الفتح خطبة مشهورة عند أهل الأثر والعلم بالخبر ، فوضع مآثر الجاهلية حاشا سدانة البيت وسقاية « 4 » الحاجّ ، وأخبر -
--> ( 1 ) هو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، أمه أم هانئ نفسها ، وسيأتي الحديث عن أبيه . ( 2 ) الحجابة : سدانة البيت والقيام على خدمته . ( 3 ) في ابن سعد أنها كانت ثلاثمائة وستين صنما وكان هبل أعظمها ، وقد بث السرايا والبعوث لكسر الأصنام التي كانت بالقرب من مكة ، منها العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين . ( 4 ) سقاية الحاج كانت في الجاهلية لبنى هاشم وقد أبقاها الرسول لهم في الاسلام ودفعها إلى عمه العباس .